فضاءات ميسانية موقع خاص يحرره أدباء ومثقفو محافظة ميسان ويعتمد الموضوعات الأدبية والفنية والثقافية والصحفية الحرة التي تدعو للمحبة والتسامح والوحدة @ الموضوعات تعبر عن رأي كتابها  @ أخبـــــار @ موضوعات صحفية مختلفة @ شعــــــــر @  قصـــــــــــة  @  فنـــــــــون @ راسلونا على البريد  @   majidalbaldawi@yahoo.com 
 
ماجــــــد البلــــــداوي
المشــــــرف العــــــام
 

الصحيفة الميسانية

تموز 23rd, 2007 كتبها fadaat mesanea نشر في , قصــــــــــــــة

 

الصحيفة الميسانية

هنا، لا أتوقع أن أعثر إلا على الفن، والموت.

مارلو – اللامذكرات

جمعة اللامي

قال الراوي: بعد صلاة العصر بساعة، وقبل أن تأزف صلاة المغرب، وتقبل ليلة النصف من شعبان، كنا نقيم مجلساً في مثل هذا الوقت من كل سنة، يحضره بنو قومنا - رجالاً ونساء - وهم في أتم زينتهم. يجلس الرجال داخل خيمة نسجت من شعر الماعز تُنصب على الضفة اليمنى من نهر الكرخة، بينما تختلي النساء في خيمة أخرى نسجت من وبر الإبل، تنصب على الضفة اليسرى من نهر الكرخة، أما في وسط النهر فيجلس الروح العالي والعلماء وحاملو الألواح في قارب من خشب مطليّ بالقار، تحت عريش من شجر الآس.

قال الراوي: وفي هذا العام، عام السمك الكثير، وعام الشلب الوفير، بعد صلاة العصر بساعة، وقبل أن تأزف صلاة المغرب، وعندما كنا نستقبل ليلة النصف من شعبان، جاء القوم من حرّان وبابل وفلسطين وجبال ميديا وحافات الأهوار في ميسان، يرتدون دشاديش بيضاً، حاسري الرؤوس، حفاة الأقدام، وجلسوا في خيمتهم عند الضفة اليمنى من نهر الكرخة.

كذلك جاءت النساء، بثياب بيض حافيات الأقدام، وقد ضربن بخمرهن على وجوههن، وجلسن في خيمتهن، عند الضفة اليسرى من نهر الكرخة، وكانت زينب تتقدم صفوفهن.
قال الراوي: وبعد أن أزف الموعد، أذن الروح العالي ببدء الاحتفال، فتقدم شاعر من حران، قرأ شعراً في مدح الحقيقة كان محفوراً على لوح من رصاص، تبعه آخر قدم من جبال ميديا، فألقى خطبة في مدح الماء الحي، ثم تتابع الخطباء والشعراء، حتى قام شاعر من بابل، وألقى بين يدي مجمع القارب الخشبي كلاماً عجيباً، هذا بعض منه:

إلى أرض الأحياء، تاق السيد إلى السفر

إلى أرض الأحياء، تاق جلجامش إلى السفر

فقال لتابعه أنكيدو:

أي أنكيدو، إن الختم والأجر، لم يأتيا، بعد، بالمصير المحتوم

ولسوف أدخل أرض الأحياء، وأخلد لنفسي هناك اسماً

ففي الأماكن التي رفعت فيها الأسماء سأرفع اسمي

وفي الأماكن التي لم ترفع فيها الأسماء سأرفع اسمي

فأجابه تابعه انكيدو:

بلغ أوتو، البطل أوتو

فتلك الأرض في رعاية أوتو

أرض الأرز المقطوع، في رعاية أوتو، بلّغ أوتو

فرفع جلجامش بيديه جدياً تامَّ البياض

وضغط إلى صدره جدياً أسمر، قربانا

وبيده أمسك العصا الـ… الفضية

وقال مخاطباً أوتو:

أي أوتو، إني لداخل أرض الأحياء، فكن نصيري.

فأجابه أوتو:

إنك لـ… حقا، ولكن ما بغيتك من تلك الأرض؟

أي »أوتو« سأتوجه لك بكلمة علّك تصغي إليّ

وكلامٍ أسمعه لك، علّك تصغي إليّ.

في مدينتي يموت الرجل كسير القلب.

يفنى الرجل حزين الفؤاد.

أنظر من فوق السور

فأرى الأجسام الميتة طافية في النهر

وأرى أني سأغدو مثلها حقاً

فالإنسان مهما علا، لن يبلغ السماء طولاً

ومهما اتسع لن يغطي الأرض عرضاً

وإن الختم والأجر، لم يأتيا، بعد، بالمصيرالمحتوم

سأدخل أرض الأحياء، وأخلد لنفسي هناك اسماً

ففي الأماكن التي رفعت فيها الأسماء سأرفع اسمي

وفي الأماكن التي لم ترفع فيها الأسماء سأرفع اسمي.

فتقبل أوتو دموعه قرباناً

قال الراوي: توقف البابلي هنيهة لالتقاط أنفاسه وسط صمت الناس والسماء والماء، وعندما رفع إلى فمه طاسة الماء، كان المجنون يتقدم إلى مكان الحفل، وقعت الطاسة على الأرض،

وانسحب البابلي إلى داخل الخيمة، بينما كان المجنون، شبه عارٍ، يسير الهوينا، لكنه لم يدخل خيمة الرجال، ولم يكن راغباً أن يكون قريباً من خيمة النساء، كما أنه لم يخض في مياه نهر الكرخة، ليقترب من عريش الروح العالي والعلماء وحاملي الألواح، تقدم مسافة مرديين في مياه النهر، ثم توقف وكان وجهه إلى الشمال.

عَلَتْ أصوات كثيرة من داخل الخيمتين مطالبة بإبعاد المجنون عن منطقة الاحتفال، بل إن بعض الشباب من خيمة الرجال توجهوا نحوه لإبعاده، إلا أن الروح العالي، بإشارة من يده اليمنى، أوقف هياج المهتاجين، فتوقف كل عند موطىء قدمه، حتى أولئك الذين كانوا يهمون بجرّ المجنون من الماء توقفوا أيضاً.. وعند ذلك رفع المجنون يديه إلى السماء حتى رأينا بياض إبطيه، ثم نادى بصوت عالٍ:

يا أحمد… يا نور النور

بحقك..

يا هرمس الهرامسة

قال الراوي: عقدت الدهشة ألسنتنا، فهذه هي المرة الأولى التي نسمع فيها من المجنون هذا النداء، كنا نراه يكلم السماء، وكنا نراه يتحدث إلى بساتين القصب، وكنا نسمعه، أحياناً يتحدث بصوت خافت إلى نهر الكرخة.

ولكنه عندما توجه بندائه إلى »أحمد« و»هرمس الهرامسة«، بصوت جهوري يشبه بدايات عاصفة، طفق الروح العالي ينشج حتى غطت دموعه لحيته البيضاء. وما هي إلا برهة أخرى حتى سمعنا نحيباً صادراً من خيمة النساء، عرفنا فيه صوت زينب.

قال الراوي: قام الروح العالي على حيله وهو يقول: دعوه. ومن خيمة النساء قامت زينب واقفة على كعبي قدميها لتقول: دعوه. بينما كان المجنون ما يزال يرفع يديه نحو السماء، ويقول:

»يا أحمد

إن هو إلا وحي يوحى من النور

إلى النور«

بسط المجنون يديه، لكأنما كان يتقبل شيئاً من السماء، وأدار بصره بين القوم، ثم أنشأ يقول:

لستُ هرماً، ولم أكُ طفلا

أنا خشب يتيم لم يتيبس بعد

نَظَرْتُ إلى حياتي في الأسماء

فَسَقَطَتْ جزيرة العرب

في الماء

لست طفلاً، ولم أعدْ شيخاً

أنا خشب يتيم فيّ قطرة ماء * محبوس في جبّ * الجبّ في فلاة * الفلاة في بيداء * البيداء في صحراء * الصحراء في قفر * القفر في مدى * المدى في سماء * السماء في عماء * والعماء قلبي وجزيرة العرب التي سقطت في الماء.

لستُ زين الشباب

يُتْمٌ صافٍ - أنا –

وخشب ينزف ماء

فتعالي - يا روح ميسان –

نمزج ماء بماء

قال الراوي: توقف المجنون عن الكلام لحظات، ثم توجه بنظره إلى خيمة البتول زينب وهو ينشد ويقول:

التي أحبها… أهدتني ورداً

وخداً

وقالت: أُدْنُ

التي تحبني.. أهديتها ورداً

وقبلة

ثم ذبنا

التي أحبها..هي كل الأسماء

من قبل همزة الألف

إلى أبعد من لا نهايات الياء

هي ماء ينزف ماء

وهي الراية الحمراء

في كربلاء

التي أحبها… لم أرها ولم تلمسني

التي تحبني.. لم ترني ولم ألمسها

فمبارك - يا مجنون –

هذا الحب.

الذي يقود الفناء إلى الفناء


المزيد





 120591

مقاطـــع موسيقية مختارة