مع عودة الاهوار
الأساطير الشعبية هل تعود من جديد ؟؟
كتب: ماجد البلداوي
مع عودة مياه الاهوارثانية بعد عمليات التجفيف التي طالت مساحات واسعة من الاهوارتعود حكايات أبناء الاهوار ومفردات حياتهم ومفارقاتهم
وكأي أسطورة من أساطير ألف ليلة وليلة التي قرأناها كثيرا .. تبدأ اساطير الاهوار وقصة المدن المنكوبة التي عاقبها الساحر بعد أن حولها إلى مدن بلا روح، مدن هاجرها أهلها فغابت عن الوعي سنوات طويلة .
هكذا بدأنا نسرد الحكاية لأطفالنا الذين كبروا مع الألم بلا مدن تؤرخ لهم تأريخ الأشياء ليستمعوا إلى مفردات القصص ، ورحلات الصيادين في غابات القصب وأحاديث (رحلة الصد مارد) والناس البسطاء والتعب اليومي وليتذوقوا طعم الخريط الأصفر الشهي ..،
كان علي أن ابدأ الحكاية من آخرها لولدي الذي فتح عينيه على الدنيا في زمن بلا ملامح سوى الذاكرة الموجعة التي ورثها عن أبيه.. وهو يحاول سرد الحكاية مستعينا بملامح أجداده ووجوههم المتعبة التي خذلتها سنوات الغربة فتركت آثارها كخطوط متعرجة وسحنات جنوبية نسيت أمنياتها المؤجلة التي طواها الانتظار المرير.. تلك الوجوه تقرأ فيها عناوين عدة لايمكن حصرها .. أو تدوين مفرداتها بسهولة .. إنها سنوات يمكن أن نعد خطواتها بحجم الوجع الذي تراكم في الصدور والخوف الذي تغلغل في الأعماق..، والقلق الذي غلف أجفان العيون المتطلعة لفضاءات رحبة .. فهي الشاهد الوحيد على حقيقة الحلم .. والأسطورة..
لم تكن الأساطير إلا نتاج لاعتقادات وتقاليد ترسخت في أذهان الناس البسطاء الذين نسجوا خيالاتهم عن حكايات متوارثة تناقلتها الأجيال عبر سنوات طويلة ..، ثم أتسعت بمرور الأيام باتساع الرؤى والخيالات المختلفة لأشخاص تباينوا في الوعي والثقافة والمخيلة ..،
وتتعدد صور تلك الأساطير تبعا للبيئة والمفاهيم والعادات والثقافات في حياة الشعوب ..،ومهما يكن من أمر فان الأسطورة تنمو وتنتعش في أوساط الناس الذين يعانون من حاجة نفسية ..، وخاصة أولئك المغلوب على أمرهم من أصحاب الأحلام الذين لا يملكون سوى الهروب من الواقع إلى ما يبدعه الخيال.. بتحويل الفكر باتجاه آخر بعيدا عن صعوبة الواقع المرير وقسوته
يقول الباحث والناقد والروائي محمد قاسم الياسري: لعل الأساطير والخرافات والأوهام أول ما نشأت في المعابد وبين الكهنة لتسهل عليهم السيطرة على البسطاء باعتبارهم حلقة الوصل بين هؤلاء والقدرات الغيبية التي تمنح أو تحجب ما يطلبه الكهنة والعرافون منها ..، ولأن الأسطورة ناتج اشتراك أجيال متعاقبة كان من الصعب نزعها من صدور الناس وعقولهم بمجرد أضاءتها أو البرهنة على عدم واقعيتها ولذلك كانت الأساطير والخرافات ولاتزال تحتل المكانة الأعم ولأشمل بين مجمل ما يفكر فيه الناس حتى في أكثر الدول تقدما حين يواجهون أمورا ليجدون تفسيرا لها ..، ولهذا أيضا تصعب معرفة أصل الأسطورة أو نسبتها إلى مبدعين محددين لأنها جمعية المصدر لابداية لها لكنها بلا نهاية على ما يبدو.
ويقول الدكتور مؤيد فيصل أستاذ علوم إسلامية:ان الأسطورة هي أمر خارق للطبيعة فهي تستمد تأثيرها من أوهام سيطرت على العقول زمنا طويلا بقوة تقبلها بعد آن أحيطت بهالة من الغموض يصعب اختراقها لارتكازها على معتقدات ومسلمات رافقت تطور الفكر الإنساني من دون أن يتمكن الزمن من زحزحتها عن موقعها على الرغم من كل هذا التقدم والتقنية اللذين أسهما كثيرا في ترسيخ الأسطورة عن قصد أو من دون قصد ..، ولاتزال كتب الأساطير والعرافة والتنجيم وقراءة الطالع والبحث عن ما وراء الطبيعة من أكثر الكتب مبيعا في العالم بسبب غلبة المهتمين بها وازديادهم عاما بعد عام ..، وهذا يؤكد الرأي القائل : آن الأسطورة والخرافة لا تنمو إلا في الأوساط الأكثر عددا والأشد فقرا لكن عدواها تنتقل إلى النخبة التي لن تجد مناصا من الوقوع تحت وطأتها تلبية للاعتقادات السائدة .
(ففي مملكة أصيب شعبها بالجنون نتيجة شربهم ماء النهر الملوث بآفة الجنون سأل الوزير ملكه وقد كانا الوحيدين اللذين لم يشربا من ماء النهر : ماذا علينا آن نفعل يا مولاي ؟ فأجابه الملك : ما علينا سوى أن نشرب من ماء النهر.
ويقول الأديب ماجد الحسن ( بكلوريوس فلسفة) أن المفهوم الشعبي للخرافة أو الأسطورة يعطيها قدرتها على أن تكون الملاذ الأخير للباحثين عن الغموض والخيال والغيب ..،
المزيد